التدريس في عصرالتشتّت الرقمي
نعيش اليوم في زمنٍ تتزاحم فيه الشاشات، وتتدفق فيه المعلومات بلا توقف، حتى أصبح عقل المتعلم ساحةً مفتوحة للإشعارات، والمقاطع السريعة، والتنقّل المستمر بين العوالم الرقمية. وفي خضم هذا الواقع، يقف المعلم أمام سؤال جوهري: كيف أعلّم طالبًا لا يركّز؟
أولًا: ملامح التشتّت الرقمي لدى المتعلمين
التشتّت الرقمي ليس ضعفًا في الذكاء، بل نتيجة طبيعية لبيئة:
تعتمد على السرعة لا التعمّق
تفضّل الصورة على النص
تشجّع التلقّي السريع بدل التفكير المتأني
فينخفض مدى الانتباه، ويتراجع الصبر على الشرح المطوّل، ويصبح الملل خصمًا دائمًا داخل الحصة.
ثانيًا: تحوّل دور المعلم
في عصر التشتّت الرقمي، لم يعد المعلم ناقل معرفة، بل:
مُصمِّم خبرات تعلم
قائد انتباه
مهندس دافعية
فالمعلومة متاحة بضغطة زر، لكن إدارة التركيز، وبناء المعنى، وربط المعرفة بالحياة هي مهمة المعلم القائد.
ثالثًا: استراتيجيات تدريس فاعلة في عصر التشتّت
للتعامل مع هذا الواقع، يحتاج المعلم إلى أدوات ذكية، منها:
- التعلّم النشط
إشراك الطالب في النقاش، والتجريب، وحل المشكلات بدل الاكتفاء بالشرح. - التقطيع الذكي للمحتوى
تقديم الدرس على فقرات قصيرة مترابطة تحترم طبيعة الانتباه الحديثة. - التكنولوجيا الهادفة
استخدام الوسائل الرقمية كأداة تعليم لا كمصدر تشتيت، وفق أهداف واضحة. - القصّة والسياق
تحويل المعلومة إلى قصة أو موقف حياتي يلامس اهتمام الطالب. - بناء العلاقات الإنسانية
فالطالب ينصت لمن يشعره بالتقدير والاهتمام، لا لمن يكثر التعليمات فقط.
رابعًا: التركيز كقيمة تربوية
من أخطر ما يهدده التشتّت الرقمي هو قدرة الطالب على التركيز العميق. وهنا يصبح دور المدرسة محوريًا في:
تدريب الطلاب على الصبر الذهني
تعويدهم على التفكير المتأني
تعزيز مهارات التنظيم الذاتي والانضباط الرقمي
خامسًا: المعلم القائد في عصر التشتّت
المعلم الناجح اليوم هو من:
يفهم عقل الجيل الرقمي دون أن يستسلم له
يوازن بين الحداثة والعمق
يقود الانتباه قبل أن يقدّم المعلومة
فالتدريس في عصر التشتّت الرقمي ليس صراعًا مع التكنولوجيا، بل فنّ توظيفها، وضبط إيقاعها، وحماية العقل من فوضاها.
محمدبركات

التدريس في عصر التشتت الرقمي