التربية

 يُعتبَرُ الأبناء والأفراد أساس المُجتمَع، وهم صُنّاع الغد والمستقبل؛ لذلك وجَّه المُجتمَع والإسلام اهتمامهما نحوهم؛ ولأنّ الأبناء من أثمن الأشياء التي ينالُها الإنسان من الله تعالى؛ فقد توَجَّب عليه المحافظة على هذا الكنز الثمين، وإعطائهم جُلَّ وقته، واهتمامه؛ لأنّهم بُناة المستقبل، ولكي يُربَّى الأبناء تربية كاملة؛ فلا بُدّ من تنميتهم على الدين، والأخلاق، وسُنّة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، وقد دلّ على ذلك قوله -سبحانه وتعالى-: (المالُ وَالبَنونَ زينَةُ الحَياةِ الدُّنيا وَالباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيرٌ أَمَلًا).

 وسنتطرَّق في هذا المقال إلى الحديث عن أهمِّية التربية، وعلاقتها بالمُجتمَع وتطويره، وكيفيّتها في الإسلام.

 مفهوم التربية و أهدافها :

مصدر الفعل ربَّى: بمعنى التهذيب، والتنشئة، والتعليم، والرعاية. أمّا اصطلاحاً، فإنّ لها العديد من المفاهيم، من وجهة نَظَر الكثير من المُفكِّرين، مثل وليام فرانكينا، حيث كتبَ عدّة مفاهيم حول التربية، منها: الأفعال، والتصرفات، والنشاطات التي تصدرُ عن الآباء، والمُدرِّسين، والمدرسة؛ لتعليم الصغار. الأحداث التي تدورُ داخل الفصل، مثل: التغيُّرات العِلميّة، والعمليّة. النتيجة النهائيّة، أو ما يكتسبه الطفل، وهذه المُحصِّلة تُسمّى (التربية). كما عُرِّفت التربية بأنّها: تكيُّف الأفراد مع بيئتهم، وثقافاتهم المحيطة بهم، وممّا يجدر ذِكره أنّه من الطبيعيّ أن يكون هناك تعدُّد في هذه المفاهيم، وذلك بناء على العوامل، والظروف المُتغيِّرة؛ وذلك لكونها موضوعاً عامّاً تثير اهتمام الأفراد جميعهم.

 أهداف التربية تُعتبَر التربية من أهمّ العمليّات، وأكثرها حساسيّة، وقد اعتنى بها المُصلِحون والعُظماء الذين استطاعوا قيادة شعوبهم وأُمَمهم نحو النهضة والارتقاء؛ فالتربية من العمليّات التي لا يُمكِن التعامل معها دون تحديد أهدافها، ومن هنا فقد كان من الواجب تحديد الأهداف التربويّة، ويُقصَد بالأهداف التربويّة: التغيّرات المُراد إحداثها في السلوكيّات الفرديّة، والجماعيّة، وتتلخَّص في ما يأتي:

  1. مراعاة حاجات الإنسان الأساسيّة، وطبيعته، والمقدرة على تعريفه بمكامن إبداعه، ونقاط قُوّته.
  2. مساعدة الإنسان في تحديد شَكْل العلاقة بينه وبين المُجتمَع، وما يرتبط به من عادات، وتقاليد، وتراث، و الاهتمام بسلوك الفرد، وأخلاقه، وتعزيزها، وتطويرها، دون عزلها عن المُجتمَع؛ لأنّ النفس لا تنشأ إلّا في وسط المُجتمَع.
  3. تقوية القُوى العقليّة، و قُوى الإدراك التي تتمثَّل بمقدرة العقل، وإمكانيّاته في مجال التفكير، و تعلُّم مفاهيم و معارف جديدة .
  4. 4-    تقوية القُوى الوجدانيّة، و التركيز عليها؛ وهي نوع من القُوى التي تتحكَّم بالسلوك الإنسانيّ الداخليّ.
  5. إعطاء أهمّية كبيرة للقُوى الاجتماعيّة؛ وهي من أنواع القُوى التي تُنمّي الطفل حتى تجعل منه إنساناً اجتماعيّاً يتفاعل مع مَن حوله من البشر.
  6. تقوية و تنمية القُوى الجسديّة أو الجسمانيّة؛ وهي تتمثَّل بالقُوى و الإمكانيّات العُضويّة المُرتبِطة بالفِطرة، و التي وهبنا الله عز وجلّ إيّاها، ووَضَعَها في جسم الإنسان، كأجهزة الجسد من جهاز هضميّ، و عصبيّ، وصولاً الى الحواسّ الخمسة، كالبصر، و السَّمع، و الشمّ .
  7. التركيز على الجوانب الروحيّة، وتقويتها؛ وهي قُوىً تُوجَد داخل الفرد، بحيث تُوجِّهُه نحو الاهتمام بالعديد من الأمور الروحانيّة، والدينيّة، كعلاقة العبد بربّه.
  8. 8-    المقدرة على تحديد المهارات، والجوانب المعرفيّة، والعادات، والأهداف المُستقبَليّة، وغير ذلك ممّا يُراد تنميته في الإنسان، وتحسينه. أهمِّية التربية تتلخَّص أهمِّية التربية في مجموعة من النقاط، هي: أ- إزالة الفوارق بين طبقات المُجتمَع؛ من خلال التفاهُم والتعاوُن فيما بينها.

ب- تسهيل اكتساب اللغة؛ عن طريق الاختلاط والتفاعُل مع المُجتمَع. تحقيق النموّ العقليّ، والاجتماعيّ، ممّا يُؤدِّي إلى اكتساب الخبرة.

ج- تجديد ثقافة المجتمع، وتطويرها، ونَقْلها عَبْر الأجيال المختلفة.

د- تسهيل عمليّات التواصُل الأساسيّة، بين الكبير والصغير، وبين المُعلِّم والمُتعلِّم، وبين المُربّي والطفل.

التربية في الإسلام

 لقد شَمِل الإسلام جوانب الفرد جميعها من حيث التربية، ومن حيث حياته؛ لينموَ نُموّاً روحيّاً، وعقليّاً، وخُلُقيّاً مُتكاملًا، و بهذا يغدو الفرد صالحاً، وعالماً بحقوقه، وواجباته، وفَرداً ذا خُلُق عالٍ، وعقيدة صحيحة، و قد حثّ الإسلام على اللُّطف، واللين في تربية الأبناء وتوجيههم؛ حتى ترسَخ في أذهانهم قِيَم العطف، والمودّة الأبويّة، ففي الحديث أنّه جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال :

 تُقَبِّلونَ الصِّبيانَ؟ فما نُقَبِّلُهم، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (أوَ أملِكُ لك أن نزَعَ اللهُ من قلبِك الرحمةَ). وقد دعا الإسلام أيضاً إلى تعليم الأبناء، ومن ضمن التعاليم المُهمّة، التعليم الدينيّ؛ لأنّ فيه سعادتهم في الدنيا، والآخرة، وقد جعلها إحدى حقوق الولد على والده، حيث ورد الآتي فيما يتعلَّق بهذا الأمر: عن عليٍّ رضي اللَّهُ عنه في قولِهِ تعالى: “قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا” قال: عَلِّموا أَهليكُم الخَيرَ.

 التربية الحديثة

كانت التربية القديمة، أو ما يُدعَى بالتربية التقليديّة، تَحثّ على تلقينٍ جافٍّ دون روح، كما كانت قائمة على التعنيف والقسوة؛ حيث إنّهم كانوا يعتقدون بأنّ التربية القاسية تُولِّد أفراداً أقوياء قادرين على مواجهة الحياة و مَشاقِّها، وقد كان الأطفال أيضًا مُلزمين بالحفظ والمعرفة، سواء توافقَت أفكارهم مع المحفوظ، أم لا، أمّا التربية الحديثة، فهي تتطلَّع إلى بناء أفراد مسؤولين، يمتلكون حُبّ العمل، والتطوُّع، والمعرفة، والسَّير قُدُماً نحو أهدافهم، وبناء اتّصالات وثيقة بينهم، وبين بيئتهم، ومُجتمَعهم.

 التربية الذاتيّة

 بما أنّ الفرد هو البُنية الأساسيّة للمُجتمَع، ونواته، فقد كان له الأثر الأكبر في صلاح المُجتمَع الذي ينتمي إليه، وهذا يقتضي أن تكون هناك مسؤوليّة مُلقاة على الإنسان كفرد من أفراد هذا المُجتمَع؛ وذلك لأنّ الإنسان مسؤول عن نفسه أوّلًا، وعن البحث عن المسلك القويم، والسَّير عليه، واكتشاف منابع الخير في داخله، وتنميتها، وهو مسؤول أيضاً عن مُجتمَعه، ووطنه، وأمّته، وعالَمه.

 من هنا، فإنّ التربية في جزء منها ذاتيّة؛ إذ يجب على كلّ فرد الاقتناع أوّلًا بأنّه قابل للتحسُّن، والتطوُّر، والتقدُّم نحو الأفضل، والابتعاد قَدْر الإمكان عن جوّ الإحباط، تحديداً إذا كان المُجتمَع يعاني من اليأس والإحباط الناتج عن الأوضاع السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة المُتردِّيةِ، والتي تَعصِفُ به، وهذا اليأس قد يُؤدِّي به الى حالة من فقدان الثقة، سواء بالنفس، أو بالآخرين، كما أنّ على الإنسان أن يكتشف مهاراته، ومُميِّزاته، ويُنمِّيها، فمتى ما انشغلَ الإنسان بما هو مفيد، ابتعدَ في أغلب الأحوال عن الرذائل، والصغائر، وأصبح قريباً من الإنتاجيّة، والبَذْل، والعطاء، ممّا يُؤدِّي الى تفجير ينابيع الخير في داخله إن أحسن النيّة، وأخلص في العمل .

التربية بالقدوة

«  رؤية الكبار شجعان هي وحدها التي تخرج الصغار شجعان، ولا طريقة غيرها في تربية شجاعة الأمة »            مصطفى صادق الرافعي_

«الولد مفطور على حب التقليد، وأحب شيء إليه أن يقلد أباه ثم أمه، فانظر كيف يراك في البيت معه ومع أمه، وكيف يراك في المعاملة معه ومع الناس»       _د. مصطفى السباعي_

تعنى كل مؤسسة تعليمية بجانبين جانب معرفي و هو المتصل بمحتوى المنهج والمحصلة النهائية المبتغى تعلمها , و جانب سلوكي وهو ما يتصل بتغيير السلوك إلى الأحسن عن طريق تقو يمه وتحبيبه للمتعلمين و كذلك بتعلم مهارات الحياة و التي يدخل ضمنها مهارات الاتصال الفعال و مهارات حل المشاكل و  إيجاد البدائل.

لكن كثيرا ما تقع هده المؤسسات في فخ التلقين و العرض فتحاول تغيير السلوك بالمحاضرة و الوعظ و هو مالا يفيد انطلاقا من تجربتنا الحياتية , لأن تغيير السلوك يحتاج إلى طرق حديثة تستحثُ التلاميذ على المبادرة و حُب التجربة , كما تعطيهم المثال و النموذج الصحيح الذي يجب تتبعه, لذلك أهيب بكل من يعمل في المجال التربوي أن يكون نموذجا في الأخلاق العالية المحمدية وكذلك أن يتصف بمجمل المهارات التي يدرسها, فمثلا لا يدرس خلق الصدق و يظهر لتلامذته عكس ذلك بأفعاله و أقواله, ليس هذا فقط ولكن توجيه الطلاب لتتبع التلميذ النموذجي داخل القسم، و كذلك الاقتداء بالنموذج الفكري و الثقافي في المجتمع , فيقوم بتنويع نشاطاته الثقافية والترفيهية و يستضيف بها المفكرين و الباحتين و المصلحين و كل العاملين في الحقل الاجتماعي و الخيري , فيعجب بهم الطلاب و يسعون لتقليدهم     وهذا هو المنهج الصحيح لتغيير السلوك بالإتباع النابع من الحب و التقدير.

و الخلاصة أن تغيير السلوك يجب يأخذ أولوية قصوى في حياتنا كمسؤولين داخل المجتمع سواء كنا أساتذة أو آباء أو حتى مواطنين غيورين على هذا الوطن الحبيب, و أول ما يجب تغييره هو تغيير القُدوات و النماذج التي يختارها أبناؤنا لأن لها التأثير الكبير في سلوكهم.

و يبقى الرسول عليه أفضل الصلات و السلام النموذج القيادي الحق الذي علينا جميعا دون استثناء غرسه في عقول و نفوس أبنائنا , ليكون لهم المنارة التي تضيء لهم الطريق و ترشدهم شاطئ الأمان و النجاح  . إشارة خير المربين من يربي بأفعاله قبل أقواله…

التربية بالأخلاق

على المربي دفع الطفل نحو السمو المعرفي و الأخلاقي في الوقت ذاته

قال الشاعر :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ~~~ فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

الخلق كل سلوك أو قول ارتضاه الدين و المجتمع , و الأخلاق أساس العلاقات المتميزة و المستمرة ؛ إذ أن الإنسان الخَلوق مطلب كل مُستنجد أو مُستبشر , و إني و من خلال ملاحظتي للمجتمع و المحيط الذي أعيش فيه لاحظت أن حُب الأخلاق والسُمو في المعاملات أصبح خارج أولويات شبابنا , و ذلك لطغيان المادية على الحياة , فأصبح شبابنا يبحث عن كل ما هو جديد في عالم التكنولوجيا و اللباس و يظن بأنه بشراء هذه الأشياء سيصبح متحضرا , رغم أن التحضر يعني سموا في الأخلاق و تحديثا في وسائل المدنية , فالتحضر في أصله أخلاق و معاملات وليس مظاهر للمباهاة بين المتنافسين.

لدعم الأخلاق هناك عدة مستويات, تبدأ بالأسرة باعتبارها اللَبنة الأولى لشخصية الطفل , ثم المدرسة فالشارع و الإعلام ؛ فكل هذه المستويات تؤثر على قيمة الأخلاق لذا الشخص.

إن المربي سواء كان أبا أو أستاذا أو غير ذلك مؤتمن على من يربيه ؛ إذ لا ينحصر دور المربي في إيصال المعرفة و لكن يتجاوزه لإعطاء المتربي وسائل لمواجهة الحياة ,   و من أهم هذه الوسائل الأخلاق .

و قد أظهرت نتيجة بحث في أمريكا أن 93%  في المئة من الذين  طردوا من عملهم كان بسبب أخلاقهم و معاملتهم و ليس بسبب كفاءاتهم المهنية ؛ فأنت عندما تربيه على حسن الخلق تجعل منه إنسانا محبا للخير يزن الأمور بالقيم و المبادئ بعيدا عن الأسباب المادية , و تسهل عليه الحياة و تفتح أمامه أبواب مستقبل مشرق .

و لعل أهم طرق التربية , التربية بالأخلاق لأنها تنطلق من أن الإنسان مفطور على الجماعة و العيش داخل المجتمع , و منه فهو يتأثر و يؤثر على الآخرين , و هكذا إذا استطاع المربي أن يؤثر في الطفل بأخلاقه أصبح نموذجا يقتدي به في حياته و بذلك سهُل على المربي دفع الطفل نحو السمو المعرفي و الأخلاقي في الوقت ذاته , لأن الإنسان يتعلم بروحه و جسده بالإضافة لعقله , و التربية بالأخلاق تركز على المكونات الثلاث للإنسان : تأثيرٌ على روحه و تعاملٌ بأخلاق سامية و رفع لمستواه المعرفي .

خلاصة :

إن المعلم بالنسبة للطفل قدوة , يتبعها و يعتبرها منهجا في الحياة , فكن عزيزي المعلم القدوة الحسنة , إن الدال على الخير كفاعله , و أنت عندما تزرع حسن الخلق في الطفل تزرع بدرة سيستفيد منها المجتمع كَكل .

إشارة :

إن خير المربين سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم , جعل من التربية بالأخلاق منهجا يعيشه من خلال تعامله مع كل الناس مسلم كان أو كافر , و قد صدقت أمنا عائشة في وصف خلقه ؛ عن سعد بن هشام قال : سألت عائشة رضي الله عنها فقلت أخبريني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت : ” كان خلقه القرآن .”  رواه مسلم

تأصيل :

قال صلى الله عليه و سلم : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “

قال تعالى : “وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ” 159 آل عمران

التربية بالتاريخ

على الإنسان الاستفادة من تجارب و خبرات الأخريين لتنمية مهاراته و قدراته و فهمه للحياة

أعني بالتاريخ مجموع القصص و الإرث الثقافي للمجتمع، سواء كان محكيًا أو مكتوبًا، فهذه القصص نِتاج تجارب و مُحصلة فكر و بحث للأجيال السابقة؛ لذا لابد من تمحيص الماضي و أخد النافع منه و اجتناب الضَار، فليس كل موروث نأخذُه.

وَلا نقول كما قال كفار قريش لمحمد صلى الله عليه و سلم”هذا ما ألفينا عليه آباءنا”، كَما لا نقول بما يقوله أشباه المفكرين العصريين بأن كل موروث من الماضي و لابد من القطعِ معه , و أن الحداثة تعني القطع مع الماضي ؛ بل لابد من تمحيص مَورُوتنا القديم للاستفادة من تجارب الأجداد , كما لابد من اكتشاف كل جديد لتحديد الصالح من الطالح و المفيد من الضار .

و السؤال الذي يتبادر للدهن هو ما نفع التربية بالتاريخ و ما تأثيرها على الجيل الجديد، و الجواب له عدة أبعاد سأحاول التطرق لبعضها:

أولا لِأخذ الموعظة لأن هذا الإرث و هذه القصص تحكي على أناس نجحوا فنأخذ الموعظة بإتباع أسباب نجاحهم، وفيها أناس فشلوا فنأخذ الموعظة باجتناب أسباب فشلهم، وقد قيل قديما ” الحكيم من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه ” .

و كذلك لفهم سنن الله تعالى في الخلق و الكون؛ فالله تعالى خلق الكون بعلم، وجعل فيه ثَوابت لا تتغير و لا تتوقف، وهذه السنن تعمل على الجميع الغني و الفقير المؤمن و الكافر، من هذه السنن

” أن الله يُمهل و لا يُهمل ” و” في الاتحاد قوة ” و” أن الله لا يعذب إلا بعد التحذير ” و” أن الله ينصر الدولة العادلة و لو كانت كافرة ” ………

إن فهم الإنسان لهذه السنن و غيرها لا يَتأتى إلا بتدبر التاريخ و استنباط السنن، و بفهم هذه السنن نفهم الواقع و نستعد للمستقبل – فهم مآل الأمور – يعني الاستعداد للمستقبل؛ فالسنن التي سَرت على الأولين سَتسري على الآخرين، رغم اختلاف الوقت و الوسائل، إلا أن نفس المقدمات تؤدي إلا نفس النتائج، وبذلك يستثمر الإنسان حاضره فيما ينفعه في مستقبله انطلاقا من فهمه لسنن الله.

إن الإنسان مهما عاش و جرب لن يمر بكل التجارب، من هذا الواقع كان على الإنسان الاستفادة من تجارب و خبرات الأخريين لتنمية مهاراته و قدراته و فهمه للحياة، حيث أنه يأخذ خبرات و تجارب العديد من الأجيال، ويعيش عمرًا غير عمره و يفهم ما احتاج الناس من أجل فهمه لأجيال و أجيال، و بذلك يهيئ نفسه ليسير في هذه الحياة بأقدام ثابتة و قامة مرفوعة؛ فلا يختل توازنه بتجربة يمر بها فقد مر بها بالتأكيد أُناس قبله فيستفيد من خبرتهم في حلها و يستخدم عقله ليبتكر و يبدع حلول جديدة على ضوء الحلول السابقة.

و السؤال الثاني منبع هذا الإرث، وَمنبعه أولا القرآن الكريم لأنه احتوى العديد من القصص ذات المغزى التي يجب علينا تدبرها و فهمها، لنستعد على ضوئها للمستقبل ، ومن منابعِه كذلك سير الرسل و الأنبياء ثُم الصحابة و الناجحين في كل الأمم، فمِنها نأخذ العبر و أسرار النجاح و طريق الريادة، ثم من خلال قصص الحياة التي تصلنا سواء عن طريق الأصدقاء أو الآباء و الأجداد من تراثنا المحكي، و كذلك من قصص الفاشلين و الطغاة و المفسدين نأخذ العبرة بالابتعاد عن أسباب الفشل و النكوص.

الخلاصة :

إن المربي يزرع في المتربين حِس النجاح من خلال حكايات و قصص و سِير الناجحين و المصلحين، ويُحذرهم من الفشل عن طريق ذكر مآل الطغاة و المفسدين، لذلك كان على كل مربي أن يستفيد من هذا الإرث العظيم من التاريخ المحكي و المكتوب ، و الحَمد لله هناك الكثير من الكتب التي تحتوي قصص لكل الأجناس و الأعمار.

شعلة :

قال تعالى : ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ” ليكن القدوة و النموذج  ولنستفد من سيرته العطرة و نُعلمها جيلا بعد جيل، وذلك بالعمل بها و التمسك بأسرارها لأن الإنسان يتعلم بالتجربة ما لا يتعلمه بالمحاضرة أو المناظرة .

تأصيل :

تسمية الله تعالى لسورة من سور القرآن ب” القصص” لهو أقوى دليل على قيمة القصص في تربية النفس.

قال تعالى ” نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن و إن كنت لمن الغافلين ” يوسف (الآية 2)

التربية بالحب

إن الكلمة الطيبة النابعة من القلب المحب لابد أن يكون تأثيرها كبيرا على نفوس الآخرين

لعل تجربتي بمجال التربية، واحتكاكي بمجموعة من الأطر التربوية خلق عندي قناعة بأن التربية الصحيحة هي تربية أساسها الحُب و المودة و التقدير، لأن العلاقة بين المربي و التلميذ إن بنيت على الحب كانت علاقة إيجابية نتائجها مُبهرة حيث أني شخصيا أثر في مسيرتي الدراسية أساتذة أحترمهم و أقدرهم بل و أحبهم؛ و ذلك لطريقتهم المُتميزة في التربية، إن الطفل إذا أحب المربي أطاعه على قول الشاعر :

” إن المُحب لمن يحب مطيع “.

إن مفهوم التربية و ارتباطه بالقسوة  و الشدة و الضبط عند كثير من المربين مفهوم و ارتباط تبث خطأه ، حيث أنهُ ينبني على تصور أن الطفل يحتاج إلى الضبط و العنف من أجل تربيته و هذا المفهوم قد ثم تجاوزه بناء على العديد مجموعة من الدراسات التربوية و النفسية، بل وتجاوزته دول تُعتبر أهم الدول و أكثرها انضباطا و أن أعني هنا اليابان، وقد شاهدت أخيرا فلما بعنوان ” يوم في قسم ياباني” و هو متوفر على الشبكة العنكبوتية، و يظهر من خلاله المربي عند دخوله القسم يصافح كل تلميذ على حدة وكأنه صديق لهم و ليس أستاذا، و يظهر لمتتبع الفيلم مدا تعلق التلاميذ الشديد بمعلمهم  و حبهم له، فهو قريب منهم يحل مشاكلهم سواء كانت داخل غرفة القسم أو خارجها، إن مثال المربي الياباني يجب ألا ينسينا المربي الأعظم والقدوة الأولى لنا، الرسول صلى الله عليه و سلم فقد كان يعامل كل الناس بالحب و المودة، بل لم يذكر عليه أنه ضرب صبيا أو خادما، بل كان إذا وجد الأطفال في الشارع لاعبهم و مازحهم رغم أنه يحمل هم البشرية؛ فلابد أن نتعلم من سيرته العطرة أن أول مواهب الأستاذ قدرته أن يكون محبوبا بين الناس.

إن بيداغوجيات التعليم الحديثة و دراسات علم النفس تُجمع كلها على أهمية العلاقة بين المربي و المتعلم ، إذ إن هذه العلاقة إما أن تكون إيجابية مُفعمة بالحب؛ فتؤدي إلى نمو عاطفي و معرفي ثم سلوكي صحيح،  أو العكس فيكون نمو غير طبيعي لمشاعر العنف و الكبر و الحقد.

إن أهم عناصر الاتصال المُرسل و المُستقبل، و العلاقة بينهما تؤدي إلى الفهم الصحيح أو الخاطئ للرسالة، إن المربي قبل كل شيء مُصلح و لكي تكون مصالحا يجب أن تكون محبوبا و مقبولا عند الآخرين، و قد قال تعالى: ” ولو كنت فظا غليظ القلب لنفضوا من حولك ” من خلال الآية الكريمة يمكننا استنتاج صفتين للمربي المصلح، أولهما أنه ليس بفظ؛ أي أن كلامهُ كُله رقة و حب فكلمةُ حُب لها فعل كالسحر في نفوس الناس، لذلك كان علينا دائما اختيار أفضل الألفاظ في التعامل مع الناس و الإفصاح المباشر لحبك للآخرين، ثم الصفة الثانية في قلب المربي الرقيق و الرطب و المحب للناس، فكما يقال ” الكلمة إذا خرجت من القلب و صلت مباشر للقلب، أما إذا خرجت من الفم فلن تتجاوز الأذن ” .

تأصيل:

قال صلى الله عله وسلم: “تهادوا تحابوا “

إن الرسول صلى الله عليه وسلم يُطلعنا على سر من أسرار التقرب إلى الناس و الهدف الواضح هو الحب.

خاتمة:

إن الكلمة الطيبة النابعة من القلب المحب لابد أن يكون تأثيرها كبيرا على نفوس الآخرين، فكيف إن كان من قلب مرب صالح إلى قلب تلميذ محب فمفعولها سيكون أكبر من السحر، و سيؤدي إلى اندفاع ذاتي نحو النجاح و الكمال اعترافا بالجميل للمُربي الصالح.

الهدف مبدعين أم مقلدين

إني و إن كنت أخر زماني لآت بم لم تأت به الأوائل

_الشاعر_

” إن أهم ما يمكن للمرء القيام به, وضع علامة في طريق التميز يهتدي بها من بعده من الأجيال. “

” إن الأمم التي تعلم و تربي و تدرب بطريقة أفضل , هي الأمم المرشحة لأن تتبوأ القمة. “

الإبداع مطلب بشري, فالإنسان بفطرته يبحث عن التطور و التجديد المستمرين,

فقد عرف أحد علماء الهندسة الجينة البشر ” بأنهم كائنات قادرة على التطور و التعلم المستمر ” إن من سنن الله أن جعل البشر قادرين على التكيف مع محيطهم بل و قادرين على تطويره وجعله أفضل, و بذلك نالوا شرف الاستخلاف و مسؤولية التعمير .

يعرف الإبداع ” بعملية الإتيان بجديد ” و يعرف كذلك ” بعملية دمج لمجموعة من الأشياء لخلق شيء جديد “, و في كلتا الحالتين فإن الإبداع عملية أي أنه في أغلب الأحيان يأتي بمجهود إرادي يسبقه تخطيط و يتبعه إصرار و مثابرة للوصول إلى       ” منتج ” جديد هو في الأصل دمج بين شيئين أو أكثر, و تجارب المبدعين عبر الزمن دليل أن معظم الاختراعات كانت في الأصل أفكار ثم تحولت إلى واقع بفعل مثابرة و إصرار أصحابها على النجاح.

نسبة المبدعين بالفطرة تقدر ب 2% و كذلك نسبة غير المبدعين 2%, أي أن معظم الناس هم ليسوا مبدعين بالفطرة و لا العكس, و الإبداع عادة يمكن تعلمها كجميع العادات أي أن كل إنسان عادي له رغبة و إصرار مع توفر المعرفة يمكنه أن يصبح مبدعا.

هناك العديد من المراكز في العالم العربي التي جعلت من ” إنتاج ” المبدعين الهدف من إنشائها, و لعل أهم الداعين و المنظرين لهذه الفكرة د. طارق سويدان و د. صلاح الراشد, لكن هذه المراكز رغم أهميتها فهي غير كافية لأن الأصل في المسألة أن تكون كل مدرسة مركزا للإبداع و تأخذ على عاتقها اكتشاف المواهب و تنميتها و صنع المبدعين في كل المجالات و التخصصات و بذلك فهي تساهم في الرفع من نسبة المبدعين في المجتمع و تدفعه للتطور و النمو و الوصول للقمة التي يصبوا لها كل غيور على هذه الأمة.

و من أهم مكونات المدرسة الأستاذ و تبقى مهمته مفصلية باعتباره الأكثر قربا و معرفتا بالتلميذ , فلا تنحصر مهمة الأستاذ في الإحاطة بطرق التدريس الحديثة ولا الإبداع في الوسائل الديدكتيكية ولكنها تتجاوز كل هذا إلى اكتشاف المواهب و تنميتها و تطويرها, طبعا بتضافر الجهود مع باقي مكونات المدرسة و الأسرة و الفاعلين في المجتمع المدني من منظمات و جمعيات تعنى برفع مستوى التعليم.

على الأستاذ في المقام الأول دفع التلاميذ و تحريضهم و تحفيزهم لإخراج أحسن ما يمكنهم إنتاجه, ليستطيع بعد ذلك تطوير قدراتهم وتحسينها انطلاقا من معرفته الصحيحة بقدراتهم الحالية, فلكي تنجح في عمل ما عليك معرفة أين أنت, ثم أين تريد الوصول, وبعد ذلك تبحث عن الكيفية الوصول.

وهنا تحضرني قصة الأستاذ المبدع الذي أراد دفع تلميذه للوصول إلى أعلى ما يمكنه, فبعد أن طلب منه القيام ببحث حول موضوع  ما, قام التلميذ بهذا البحث بالطريقة المعتادة عن طريق الإنترنت أو طريقة قص-لصق (copier-coller) , ثم بعد يومين أتى بهذا البحت للأستاذ, بعد نهاية الحصة طلب الأستاذ التلميذ و قال         ” يمكنك القيام بعمل أفضل من هذا ” و أعاد له البحث, هذه المرة قام التلميذ بالتركيز أكثر و البحث بطريقة أحسن في الموضوع و بعد يومين أعاده للأستاذ, بعد نهاية الحصة طلب التلميذ للمرة الثانية و قال ” أنا أعرفك جيدا, يمكنك القيام بأفضل من هذا بكثير. ” هذه المرة و بعد تشجيع الأستاذ قام بمجهود جبار و بحث متعمق و استخرج كل مهاراته في البحث الكتابة و التحليل, و بعد ثلاثة أيام لم ينم فيها إلا قليلا أكمل البحث و أعطاه للأستاذ للمرة الثالثة, و كذلك و بنفس الصورة ناداه الأستاذ في نهاية الحصة و طلب منه القيام بمجهود أكبر, لكن هذه المرة قال التلميذ بانفعال ” و الله يا أستاذ ما أقدر أقدم أحسن من هذا لقد بدلت أقصى ما يمكنني. ” بعد سماع الأستاذ لما قاله التلميذ ابتسم و قال الآن يمكنني قراءة موضوعك.

الأستاذ لم يقرأ الموضوع من المرة الأولى بل دفع التلميذ لأن يجتهد و يأتي بأفضل ما يمكنه و بذلك يكون تقويمه للتلميذ أكثر دقة و أقرب للواقع و يكون أساس البناء صلبا.

الخلاصة أنه ليس دور المدرس تخريج ” متعلمين ” حسب المقاس, أو حسب قولب حديدية مصممة قبلا, و لكن دور المؤسسة بناء جيل قادر على التأقلم و معايشة التحولات الكبيرة التي يعرفها العالم وبسرعة مجنونة, و تقبل الجديد بعد التمحيص و التفكير في نفعه من ضره, بل و القدرة على تطوير هذا الجديد و تحسينه بعد تقبله و معايشته و بذلك نتحول من مجرد مستهلك سالب إلى مشارك فاعل و منتج.

تنبيه

” كثير من المربين يخرج من حيث لا يدري جيلا من الإمعات المقلدين, حين يعلم الصغار أن شق طريق جديد شيء يبعث على الريبة “

طفل يفكر : مظاهر وحلول

إن ما دفعني لطرق باب هذا الموضوع هو ما ألحظه من اتكالية معظم التلاميذ على الآباء في المنازل و الأساتذة في المؤسسات التعليمية ,  و لعل أبرز مظاهر هذه الاتكالية ما نلاحظه من تكرار لحوارات فارغة المحتوى داخل الأقسام التعليمية , من أمثلة هذه الحوارات :

التلميذ : أستاذ أستاذ ……….

الأستاذ : نعم ؟

التلميذ : هل أكتب التاريخ ؟ أو هل أستعمل الألوان ؟ أو هل أسطر؟ ……….

إن هذا النموذج من التلاميذ لن يؤدي إلا إلى شباب متكل على المجتمع لا يعمل عقله معطل لملكة التفكير و الإبداع , و هذا عكس ما يتمناه كل مربي حريص على تقدم الوطن و تطوره , يتمنى شبابا مبدعا منتجا متحملا لمسؤوليته في البناء و التطوير.

 من أسباب الاتكالية اعتماد الطرق البيداغوجية القديمة المعتمدة على الإلقاء و المحاضرة , حيث يعتبر الأستاذ منبع و مصدر المعلومات الوحيد , و حيث تعتبر الحرية دعوى للفوضى و خروجا عن النظام , رغم أن أكثر الشعوب نظاما هو الشعب الياباني و إن المتتبع للمشهد التعليمي باليابان يلاحظ نسبة الحرية الكبيرة داخل الفصول التعليمية و هذا لا يلغي النظام بل إن الحرية هي التي تقوي لذا التلميذ الإحساس  بالمسؤولية و التي تؤدي بدورها إلى حب النظام و الالتزام به.

من الحلول الممكنة اعتمادها الطرق البيداغوجية الحديثة التي تجعل من التلميذ قلب العملية التعليمية التعلمية بل و منتج للمعرفة بمساعدة و توجيه الأستاذ, بالإضافة إلى علاج بعض مظاهر الاتكالية مثل :

– الأسئلة المتكررة فارغة المحتوى : دفع التلاميذ للبحث عن الحل بإعادة سؤال بصيغة أخرى ” ما هو رأيك ؟ ” أو ” ماذا تظن ؟ “.

– البحث عن أوجه النظر الأخرى و هنا على الأستاذ أن يذكر كل أوجه النظر الممكنة و ترك التلميذ يفكر فيها.

– تنمية مهارة النقد عند التلاميذ حتى في المعلومات المؤكدة وطرح أسئلة من قبيل ” هل أنت متأكد ” أو ” علل جوابك ” مع إظهار ملامح التساؤل لكي لا يتتبع ملامحك و تكون إجابته آلية حسب الملامح.

– ترك مساحة من الحرية داخل القسم لأن الحرية هي التي تعلم معنى المسؤولية و التي تؤدي بدورها إلى تحفيز العقل لعدم الوقوع  في الأخطاء .

– دفع التلاميذ للبحث حول الموضوع  المدروس داخل مكتبة المدرسة أو خارجها.

– الطلب من التلاميذ البحث عن الأسئلة الممكنة في موضوع الدرس , و طرحها على زملائهم للإجابة عنها .

إضاءة

إن التلميذ مشروع مشترك بين المدرس و الأسرة , لذا وجب عليهما التعاون و التكامل فأكثر ما يفسد المشاريع عدم تعاون الشركاء و تكاملهم , انطلاقا من هذا القانون فإن مسؤولية الأب لا تقل إن لم نقل تزيد عن مسؤولية المدرس في تتبع نمو و تطور إبنه خصوصا من حيث المهارات لما لها من دور في حياة الطفل حاضرا و مستقبلا , و أهم هذه المهارات مهارة التفكير و التفكير الإبداعي , لذا أثرك الباب واسعا لكل من المدرس و الأسرة للإبداع في طرق تحفيز الطفل على التفكير انطلاقا من معرفتهم الوطيدة به .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error

يمكنك متابعتنا ووضع لايك .. ليصلك كل جديد