مقدمة:

أصبح التخطيط الاستراتيجي في عصرنا الحالي ضرورة تفرض نفسها في جميع المجالات، لما له من نتائج إيجابية في تطوير عمل المؤسسات والرفع من مردوديتها وتجاوز العقبات التي تعترضها.  ويبقى التخطيط التربوي الاستراتيجي من أصعب عمليات التخطيط، ذلك لتعامله مع أحد الظواهر الإنسانية الأكثر تعقيدا وهي الظاهرة التربوية وما يرتبط بها. لأن هذه العملية تعنى بأعمق ما لدى الإنسان: ثقافته وتكوينه الفكري. لذلك على المتصدر لهذه العملية أن يكون على دراية شاملة وعميقة بكل ما يتعلق بها.

فما المقصود بالتخطيط الاستراتيجي التربوي؟ وماهي خطواته؟ وماهي مبادئه وخصائصه؟

1- في المفهوم:

التخطيط في اللغة جاء بمعنى “التسطير”، يقول الخليل في معجم العين: “والتخطيط كالتسطير، وتقول: خططت عليه ذنوبه، أي: سطرتها”. وجاء أيضا بمعنى “التقدير المحكم الدقيق جاء في رسالة ابن الليث من هارون الرشيد إلى قسطنطين قوله: “فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقينَ، الَّذِي خَلَقَ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ ضَعِيفٍ ذَلِيلٍ، خَلْقًا صَوَّرَهُ بِتَخْطِيطٍ، وَقَدَّرَهُ بِتَرْكِيبٍ.

اصطلاحا: تعددت تعريفات المفكرين لمفهوم التخطيط وتنوعت بتنوع صور وأنماط استخدامه. لكن يمكن القول تقديرا بأنه أسلوب علمي عملي مقصود، لتحقيق نتائج مستقبلية منشودة.

أما الاستراتيجية فهي مصطلح يوناني قديم ارتبط بفن الحرب وقيادة الجيش لتحقيق الانتصار. ثم اتسع مضمون المصطلح واقتحم جميع المجالات حتى أضحى سيمة للتفكير العالي المستوى، لتحقيق غايات كبرى.

والتخطيط الاستراتيجي: “هو جهد منظم يهدف إلى اتخاذ قرارات أساسية وإجراءات تحدد ماهية المؤسسة، وماذا تفعل؟ ولماذا تفعل ذلك؟ من خلال التركيز نحو المستقبل ومنه فالتخطيط الاستراتيجي التربوي هو امتداد لمعنى التخطيط الاستراتيجي مع ربطه بالمجال التربوي. وبالتالي يعرف كونه: “العملية التي يتم من خلالها وضع استراتيجية بعيدة المدى لنظام التعليم أو المنظمة التعليمية، ووضع الخطط التي تضمن أقصى استخدام ممكن للموارد المتاحة حاليا لتحقيق الأهداف الاستراتيجية .

2- خطوات التخطيط الاستراتيجي التربوي:

لا يذكر المفكرون والمخططون خطوات استراتيجية خاصة بالمجال التربوي، وإنما اتفقوا على خطوات عامة ينبغي أن يتبعها كل من أراد أن يمارس التخطيط الاستراتيجي في أي مجال. وهذه الخطوات على اختلاف في الترتيب هي:

أولا: الجاهزية أو التحليل الاستراتيجي:

قبل الشروع في التخطيط الاستراتيجي لا بد من تقويم المؤسسة والعاملين فيها، من حيث مدى جاهزية المؤسسة للتخطيط على مستوى المالي والتحتي، وكذا مدى قابلية أعضائها وقدرتهم على تكثيف الجهود وتركيز الانتباه والاستمرارية. “هذه الخطوة تساعد المؤسسة على معرفة مدى جاهزيتها للتخطيط ومتطلباته وخطواته الأساسية.

 ثانيا: إعداد الرؤية والرسالة:

الرؤية: لا بد للمؤسسة أن تصوغ رؤية تحدد من خلالها المستقبل الذي تنشده، فالرؤية الاستراتيجية هي التي “تحدد المسار الرئيسي الذي تتبناه المنظمة لتحقيق رسالتها وأهدافها على المدى الطويل والقصير في ضوء ظروف بيئتها العامة.

الرسالة: الرسالة عبارة عن شرح أكثر تفصيلا وتحديدا لمضمون الرؤية وتحمل في مضمونها الأهداف والوسائل والمميزات التنافسية وغالبا ما تأخذ الرسالة الصيغ الإجرائية والعملية بحيث تجيب عن الأسئلة الحرجة .

ثالثا: أهداف الاستراتيجية، الواضحة:

بعد تحديد الرؤية والرسالة يأتي الدور على صياغة المقاصد التي ترغب وتطمح المؤسسة في بلوغها. وهذا ما يسمى بالأهداف الاستراتيجية، وهي “حالة وسيطة مطلوبة لترجمة الرسالة والرؤية إلى قياسات محددة بتسلسل منطقي وفق اعتبارات تحققه . ولا بد أن يكون الهدف محدد وقابل للقياس ويمكن تحققه ومرتبط بوقت محدد.

رابعا: تحديد القيم:

إن كثير ممن كتبوا عن التخطيط الاستراتيجي وما يتعلق به خصوصا شق الخطوات لم يدرجوا مسألة القيم كخطوة من خطواته. فللقيم أهمية كبيرة في الخطط الاستراتيجية، بحيث يؤدي التغافل عن تحديد قيم موحدة إلى زوبعة من المشاكل بل إلى فشل هذه الخطط من أساسها. فالقيم هي “مجموعة المعتقدات التي تكون بمثابة الميثاق الأخلاقي للمؤسسة…وتعد قواعد إرشادية وإطارا سلوكيا يعبر عن نظرة المؤسسة وفلسفتها وأسلوب تعاملها مع المجتمع والموظفين .

خامسا: اختيار الاستراتيجية وتطبيقها:

أ- الاختيار الاستراتيجي: هو قرار اختيار بديل من بين البدائل الاستراتيجية الذي يمثل أفضل رسالة المنظمة (المؤسسة) وأهدافها الاستراتيجية ويتضمن القرار التركيز على بعض بدائل منتخبة، والقيام بتقويم تلك البدائل وفقا لمجموعة من الأدوات التي تساعد في اعتماد البديل الاستراتيجي الأكثر ملائمة. وهناك من يرى بأنه “وضع المشاريع والبرامج التفصيلية التي تترجم الأهداف وآليات تحقيق اعتمادها .

ب- تطبيقها: أي تطبيق الاستراتيجية من خلال صياغة خطط تنفيذية متكاملة من حيث الإجراءات والتدابير والزمكان والمسؤوليات.

سادسا: المتابعة والتقييم:

تهدف هذه المرحلة إلى تتبع المشكلات المختلفة التي تظهر أثناء التنفيذ، ودراستها لاتخاذ ما يلزم لحلها، بحيث يمكن القيام أحيانا ببعض التعديلات في الخطة على ضوء ما تم تنفيذه فعلا. وتعد هذه الخطوة المقياس الذي يمكن أن نقيس من خلاله مدى تحقق الاستراتيجية في أهدافها ومدى نجاعة وسائلها المحددة سلفا.

3- مبادئ التخطيط الاستراتيجي التربوي:

تباينت آراء المفكرين والمهتمين بالتخطيط التربوي الاستراتيجي في تحديد مبادئه، فتجد من يحدد مبادئ معينة يدرجها غيره ضمن الخصائص، وتجد آخر يضع المبدأ ثم يكرره في إدراجه ضمن الخصائص. لكن يمكن إجمال أهم مبادئ التخطيط التربوي الاستراتيجي التي تم الاتفاق عليها في:

أولا: مبدأ الشمولية والتكامل:

يكمن مبدأ الشمول والتكامل في التخطيط التربوي الاستراتيجي من خلال:

شمول وتكامل الخطة في عناصرها بحيث لا “معنى لخطة تربوية تذكر الأهداف وتغفل عن وسائل تحقيقها، أو تذكر الوسائل وتهمل كيفية توفيرها. فالخطة التربوية الناجحة تعطي لكل عنصر من عناصرها الأهمية.

شمول وتكامل مكونات وأجزاء العمل التربوي وعملياته، فلابد من أن “تشمل الخطة كافة أجزاء أو مجالات العمل التربوي (معلمين؛ تلاميذ؛ هياكل؛ نوادي؛ …) المتعلقة بالأهداف التي وجدت من أجله .

ثانيا: مبدأ الواقعية:

تتجلى واقعية الخطة التربوية في معرفة واقع النظام أو المؤسسة التربوية من حيث الموارد البشرية والمادية المتاحة وكذا العلاقة مع مختلف المجالات والمؤسسات، وذلك لمعرفة مدى قابلية هذه الخطة للتنفيذ.  فإذا غابت الواقعية عن الخطة وحلت محلها الخيالية، اصطدم منفذوها مع واقع تغيب عنه الشروط الضرورية للتنفيذ، وبالتالي سيكون مصيرها الفشل.

ثالثا: مبدأ المرونة:

ويقصد به بأن تكون الخطة “قابلة لمراجعة خط مسيرها، والتدخل في أي وقت ومكان للتعديل أو الحذف أو الإضافة كلما دعت الضرورة لذلك. لمواجهة الظروف الطارئة والاحتمالات المتوقعة وغير المتوقعة.

رابعا: مبدأ الاستمرارية:

إن تغير الظروف والمطالب من عصر إلى آخر يحتم على التخطيط التربوي الاستراتيجي أن يؤسس على قاعدة الاستمرارية، وكذلك لارتباط النظام التربوي بمختلف العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإقليمية والدولية. ومنه ينبغي أن يكون التخطيط التربوي سلسلة عمليات متكاملة ومتداخلة تؤدي كل منها إلى الأخرى مع مراعاة ظروف العوامل المذكورة حاضرا ومستقبلا.

خامسا: مبدأ المستقبلية:

يعطي التخطيط التربوي الاستراتيجي أهمية كبرى للمستقبل، من خلال تحديد المشكلات المتوقع ظهورها أثناء تنفيذ الخطة، ووضع طرق للتغلب عليها عند ظهورها، وكذلك من خلال ما يتيحه المستقبل من فرص يمكن الاستفادة منها.

4- خصائص التخطيط التربوي الاستراتيجي:

أولا: كونه طويل المدى:

أي أنه مرتبط ارتباطا وثيقا بالزمن بحيث “تصل آماده الزمنية عادة إلى 10 أو 15 سنة، تبعا لطموح وتطلعات القائمين عليه، وما يتوفر لهم من قدرات وإمكانات وتبعا لنوع التعليم ونطاق امتداده الجغرافي، وفي الظروف المحيطة به .

ثانيا: كونه تجريبيا:

أي لا بد من تحليل البدائل وتجريبها لاختيار أفضلها.

ثالثا: كونه تفكيرا فلسفيا:

فهو تفكير وتأمل في المستقبل “إذ لا بد للإدارة العليا والعاملين في المنظمة، وفي جميع المستويات التنظيمية من الاقتناع بفوائد التخطيط التربوي الاستراتيجي وأهميته، وممارسته في جميع أنشطة المنظمة، وهذا لا يتم إلا من خلال اعتماد التخطيط الاستراتيجي التربوي كفلسفة ومنهاج حياة .

رابعا: الهيكلة:

أي كون التخطيط التربوي الاستراتيجي عملية “منظمة تسعى لتأسيس الأهداف الأساسية والاستراتيجيات التربوية، وتطوير الخطط التفصيلية لتنفيذ تلك الاستراتيجيات التربوية وصولا لتحقيق أهداف المنظمة وأغراضها الرئيسية .

تحديد الأولويات في التخطيط التربوي


1- الأولوية التي ينبغي أن تعطى للتربية إطار التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
2- الأولويات ضمن إطار التربية بين مراحل التعليم وفروعه ووسائله.
وسنتكلم عن الأولوية الثانية ..تحتاج الأولوية الأولى إلى بحث متكامل
ما هي الأهمية التي ينبغي أن تعطى في خطة التربية لكل مرحلة من مراحل التعليم ولكل فرع من فروعه ولكل وسيلة من وسائله؟ هل نقدم التعليم الابتدائي والتوسع فيه على التعليم الثانوي أم نقدم التعليم العالي على كليهما أم نولي الأولوية موضوع تعليم الكبار؟ هل نعطي للتعليم المهني والفني السبق على التعليم النظري الأكاديمي وهل نعطي للتعليم الزراعي ضمن التعليم الفني نفسه منزلة أكبر من التعليم الصناعي والتجاري؟ هل نقدم عند دراسة الوسائل اللازمة للتوسع في مراحل التعليم وفروعه موضوع الأبنية المدرسية على موضوع إعداد المعلمين أم نقدم تطوير الطرائق التعليمية عليهما كليهما أم نخص بالأولوية موضوع تحسين المناهج وإصلاحها أو لحسن تنظيم الإدارة التربوية؟ وإذا أردنا أن نعبر عن مسألة الأولويات ضمن إطار التربية تعبيراً كمياً مالياً كان سؤالنا: كيف نوزع ميزانية التربية على مختلف مستويات التعليم وفروعه ووسائله؟ وما هي النسبة التي يمكن أن نخصصها من مجموع نفقات التربية للتعليم الابتدائي أو للتعليم الثانوي أو للتعليم المهني أو الفني أو للأبنية المدرسية أو للإدارة التربوية أو……؟
ولا شك أن الجواب على هذا السؤال عصب العملية التخطيطية في التربية ولا تأخذ أي خطة تربوية كامل معناها إلا إذا حددنا الأولويات في هذه المجالات كلها ورسمنا نظاماً مترابطاً للأولويات تسير على وفق الخطة التربوية.
والأولويات في أي خطة تربوية هي بمثابة الملامح التي تعطيها صورتها الحقيقية وتفرقها عما سواها كما تفرق الملامح التي يتصف بها كل إنسان صورته عن صورة غيره ولا تأتي قيمة الأولويات ضمن الخطة التربوية من ضرورة وجود ترتيب معين في الأهمية والقيمة بين مراحل التربية وأنواعها ووسائلها فحسب بل أن وجود هذا الترتيب أساسي لبناء خطة متكاملة واضحة الأهداف تسير سيراً متوازناً في مجالاتها المختلفة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلد. فعندما نحدد أولوية تربوية كالتعليم المهني والفني ينعكس صدى ذلك بالضرورة على جملة عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومثل ذلك يقع عندما نتخير أولوية كتعليم الكبار أو كإعداد المعلمين أو غير ذلك كما أن الترابط بين التخطيط التربوي والتخطيط الاقتصادي والاجتماعي ترابط عضوي عميق ومن هنا نرى أن الجانب الأول من موضوع الأولويات نعني أولوية التربية ضمن إطار التنمية الاقتصادية والاجتماعية لا ينفصل في حقيقية الأمر عن الجانب الثاني الذي نعني الأولويات ضمن إطار التربية أما جوهر الأمر فهو أننا لا نستطيع أن نحدد أولوية التربية ككل في إطار الخطة الاقتصادية والاجتماعية إلا في ضوء تحديد الأولويات المختلفة التي يمكن أن تعطي لفروع التعليم ومراحله ووسائله والعكس صحيح أيضاً إلى حد كبير بمعنى أن الحدود التي يمكن أن تكون للتربية ونفقاتها ضمن خطة الدولة العامة تملي على خطة التربية نظاماً خاصاً في الأولويات التي يمكن أن تعطى لمراحل التربية وفروعها ووسائلها وهكذا يتبين من جديد أن الأمر أخذٌ وعطاءٌ بين خطة الدولة العامة وبين خطة التربية، بين الأولويات ضمن إطار التربية وأهمية كل جانب من جوانبها وبيت أولوية التربية ككل في إطار التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

نظـرة تحليليـة
وإذا تركنا التطور التاريخي جانباً وانطلقنا صوب مجتمعنا الحديث، باحثين عن مرتكزات نحدد على أساسها الأولويات التي يمكن أن تعطى لكل مرحلة من مراحل التعليم ولكل فرع من فروعه ولكل وسيلة من وسائله، شق علينا دون شك أن نجد خطوطاً واحدة مشتركة في هذا المجال بين المجتمعات الإنسانية المختلفة، وانتهينا لا محالة إلى ضرورة تحديد الأولويات التربوية بدءاً من أوضاع كل بلد وحاجاته على حدة، بعد دراسة شاملة لتلك الأوضاع والحاجات.
على أن في وسعنا أن ننال بالتحليل العام أهم مراحل التعليم وفروعه ووسائله، لنستخرج من ذلك التحليل بعض الصور العامة التي تهدينا في معالجة الأوضاع الخاصة بكل بلد. فمما لا شك فيه أن للمشكلات التعليمية جانباً عاماً مشتركاً بين البلدان، وجانباً خاصاً ينفرد به كل بلد تبعاً لأوضاعه وأهدافه.
فلنبدأ إذن بنظرة تحليلية سريعة تبين القيمة العامة لبعض مراحل التعليم وفروعه ووسائله، والعوامل والأسباب التي تمنح كل مرحلة أو فرع أو وسيلة ما هي جديرة به من أولوية. وبدون هذه النظرة العامة التي تكشف عن بنية كل جانب من جوانب التعليم وجوهره وشأنه، لا نستطيع أن نسير على هدى وبينة في تحديد الأولويات اللازمة لكل بلد. ولن يتسع المجال للحديث عن مراحل التعليم وأنواع التعليم كلها ووسائل التعليم كلها، ونكتفي بنماذج نتخيرها لأهميتها .
1. التعليم الابتدائي:
مسألة الأولوية التي ينبغي أن تعطى للتعليم الابتدائي مسألة قائمة على قدم وساق، يثور الجدل حولها، ولاسيما في البلدان المتخلفة والسائرة في طريق النمو. فمما لا شك فيه أن التعليم الابتدائي حق لكل مواطن ومطلب قومي وشعبي أصيل ومبدأ ديمقراطي عزيز على الإنسانية. وتعميم التعليم الابتدائي لابد – من حيث المبدأ – أن يحتل في خطة جميع الدول وفي خطة الدول المتخلفة والنامية، المكان اللائق به، أن لم نقل مكان الصدارة. غير أنه لا يكفي أن نقرر المبدأ كيما ينطلق هذا المبدأ نحو التطبيق. والأمر ليس سهلاً إلى هذا الحد. فتعميم التعليم الابتدائي يتطلب من الدول المتخلفة والنامية نفقات مالية وجهوداً لا تقوى عليها دوماً. وهذه النفقات والجهود لابد أن تتم على حساب نفقات أخرى وجهود أخرى تقتطع من مجالات تعليمية أخرى هامة أيضاً (كالتعليم الفني أو تعليم الكبار أو التعليم العالي أو…). يضاف إلى هذا أن تعميم التعليم الابتدائي يتطلب توافر مجموعة من الوسائل (عدا المال) لا تتوافر دوماً بسهولة ولابد لتوفيرها من انتظار الزمن على أقل تقدير: من مثل إعداد المعلمين اللازمين لتعميم التعليم، ومن مثل توفير الأبنية وغيرها.
وهكذا تخضع الأولوية التي يمكن أن تعطى للتعليم الابتدائي لمجموعة من العوامل – تختلف باختلاف المرحلة التي يجتازها البلد وباختلاف أوضاعه السكانية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية – ولا تخضع هذه الأولوية – كما قد يبدو لأول وهلة – لمجرد إيماننا بقدسية التعليم الابتدائي ودوره الشعبي والديمقراطي والإنساني. ومن هنا لابد أن تقرر الأولوية التي تمنح للتعليم الابتدائي على ضوء دراسة شاملة لأوضاع البلد، ولابد من تحديد الفترة الزمنية اللازمة لتعميم هذا التعليم من أن نأخذ بعين الاعتبار عوامل عديدة متشابكة: أعباء تعميم التعليم الابتدائي على الدخل القومي – انعكاسات تعميم التعليم الابتدائي على مراحل التعليم الأخرى وفروعه – أصداء تعميم التعليم الابتدائي على حاجات الطاقة العاملة – إمكان توفير الوسائل اللازمة لذلك التعميم – موقف الرأي العام والعوائق الاجتماعية التي قد تحول دون ذلك التعميم (في ميدان المرأة على أقل تقدير) – إمكانيات توفير التمويل اللازم ومصادر ذلك التمويل – انعكاس حملة التعميم على المستوى الكيفي للتعليم – توافر الجهاز الإداري اللازم للقيام بهذه المهمة – الخ…
وزيادة في توضيح هذه الأمور جميعها لنسجل بعض الملاحظات العابرة التي تساعد على معرفة طبيعة المسألة وبنيتها:
‌أ. تكاليف التعليم الابتدائي في البلدان المتخلفة والنامية أكبر منها في البلدان المتقدمة (نظراً لارتفاع أجور المعلمين بالنسبة إلى الدخل القومي بوجه خاص). هكذا نجد أن تكاليف تقديم تعليم ابتدائي لكل طفل في سن التعليم الابتدائي تبلغ في مثل الولايات المتحدة – كما يبين الأستاذ « آرثر لويس Arthur Lewis » في دراسة له – 0,8? من الدخل القومي للولايات المتحدة، بينما تبلغ في مثل ((نيجيريا)) 4? من الدخل القومي. (ولنلاحظ أن مجموع ميزانية الدولة في كثير من الدول المتخلفة لا تتجاوز كثيراً 4? من الدخل القومي. ومعنى هذا أن تعميم التعليم الابتدائي يكاد يستنزف وحده ميزانية الدولة كلها!).
‌ب. متوسط أجر المعلم في المدرسة الابتدائية في البلدان المتقدمة – بالنسبة إلى الدخل القومي للفرد – أقل بكثير من متوسط أجر المعلم في البلدان المتخلفة والنامية (بالنسبة إلى الدخل القومي للفرد في تلك البلدان). هكذا نجد أن متوسط أجر المعلم يبلغ في الولايات المتحدة أقل من 1,5 × الدخل القومي للفرد. بينما يبلغ في نيجيريا سبعة أضعاف الدخل
القومي للفرد. أما في البلدان المتقدمة جملة فيتراوح أجر المعلم في المدرسة الابتدائية بين 1,5 × الدخل القومي للفرد وبين 2 × الدخل القومي للفرد.
‌ج. رواتب المعلمين – ولاسيما في التعليم الابتدائي – تحتل جانباً كبيراً من ميزانية التربية. فهي تبلغ في الجملة حوالي ثلاثة أرباع ميزانية التربية. وقد تصل في مستوى التعليم الابتدائي إلى 90? من النفقات الدورية التي تصرف على التعليم.
‌د. كلما تقدم اقتصاد بلد من البلدان زاد الاتجاه نحو التوسع في التعليم الثانوي والعالي.
ه. فيما يتصل بتمويل التعليم الابتدائي ومصادره، يكفي أن نذكر أن ثلاثاً من الدول المتقدمة اقتصادياً (هي الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا) اضطرت عند إقامة تعليمها الابتدائي العام إلى الاعتماد على مصادر التمويل المحلية الخاصة بالدرجة الأولى، ولم تعتمد على التمويل المركزي (من وزارة التعليم) إلا في حدود 50? أو أقل.
‌و. في البلاد العربية، نجد مشكلات خاصة ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار عند دراسة الأولوية اللازمة للتعليم الابتدائي. نذكر بعضها:

• التزايد الكبير والسريع في عدد السكان وبالتالي في أعداد المتعلمين. وهذا التزايد هو نتيجة طبيعية لمعدل الولادات الكبير في هذه البلدان ولمعدل الوفيات الذي انخفض انخفاضاً كبيراً بعد انتشار الوسائل الصحية الحديثة، والقضاء على الأوبئة الكبرى. وهكذا نجد أن معدل التزايد السنوي للسكان يبلغ في البلاد العربية نسبة تتراوح بين 2,5? – 3? .
• فتوة السكان فتوة ذريعة، بحيث نجد أن عدد السكان الذين هم دون العشرين من العمر (أي في سن التعليم) يجاوز 50? من مجموع السكان (وقد تبلغ هذه النسبة 57? في بعض البلدان العربية). بينما لا تتجاوز هذه النسبة في بعض البلدان المتقدمة 30? (كالسويد مثلاً). وهكذا تقع على البلدان ذات الإمكانيات المالية الأضعف أعباء تعليمية أكبر. والنتيجة الطبيعية لفتوة السكان هذه أن تكون نسبة الأطفال الذين هم في سن التعليم الابتدائي إلى مجموع السكان نسبة مرتفعة أيضاً (تبلغ حوالي 20? من مجموع السكان).
• فتوة السكان هذه من نتائجها قلة أفراد الطاقة العاملة (لأن أكثر أفراد هذه الطاقة العاملة هم ممن فوق العشرين من العمر).
وإذا أضفنا إلى ضعف أفراد الطاقة العاملة بنتيجة فتوة السكان عاملاً آخر هو ضعف مشاركة المرأة وتخفيضها الكبير بالتالي لعدد أفراد الطاقة العاملة، وأضفنا إلى ذلك كله قصر الأجل المتوسط لدى سكان البلاد العربية وبعض العوامل الاقتصادية والاجتماعية الأخرى التي تزيد في تقليل عدد أفراد القوة العاملة وفي إضعاف الفائدة المرجوة منهم – إذا فعلنا ذلك كله أدركنا أي عبء يقع على العدد القليل من أفراد الطاقة العاملة، وأدركنا خاصة أن واجبات هذا العدد القليل تجاه الأجيال الفتية واجبات يكاد ينوء بحملها. (ينبغي أن يشتغل ربع أفراد الطاقة العاملة – وهم قليلون – في التعليم ليستطيعوا مواجهة حاجات الأعداد الكبيرة الفتية من المتعلمين).
• من هنا كانت البلاد العربية تشكو نقصاً شاملاً في عدد المعلمين (وتشترك في ذلك مع كثير من دول العالم)، سواء في التعليم الابتدائي أو غيره. وإذا كنا نجد في مثل العراق فيضاً في عدد المعلمين (هناك حوالي ستة آلاف معلم لا يمكن استخدامهم) فمرد ذلك إلى نقص الإمكانيات المالية والأبنية. ويكفي أن نذكر أمام هذا العدد الفائض أن هناك في بعض المدارس – رغم هذا – نظام الفترتين أو الثلاث فترات. كما يكفي أن نذكر أن نسبة الذين يتلقون تعليماً ابتدائياً إلى مجموع من هم في سن التعليم الابتدائي في العراق تبلغ 60? فقط، ربعهم تقريباً من الإناث، وأن هناك بالتالي حوالي خمسمائة ألف طفل وطفلة ممن هم في سن التعليم الابتدائي ما يزالون خارج المدارس. ولا شك أن نقص المعلمين سيظهر جلياً إذا ارتفعت نسبة التعليم الإلزامي هذه كما هو مقدر لها في السنوات القريبة القادمة.
• يزيد في نفقات التعليم الابتدائي في البلاد العربية (كما هو الأمر في كثير من الدول النامية وخاصة المتخلفة)، ارتفاع نسبة الإهدار (Wastage) في التعليم، وإن كانت هذه النسبة تختلف اختلافاً كبيراً بين بلد وآخر. وإذا كانت نسبة الإهدار هذه (أي نسبة من يهجرون المدرسة الابتدائية بعد قضاء فترة من الزمن فيها ويعودون بالتالي إلى الأمية وتذهب الجهود والأموال التي أنفقت عليهم هدراً) تتجاوز في الكثير من البلدان المتخلفة والنامية 50? من مجموع الطلاب, فهي في المتوسط في البلدان العربية حوالي 35? (تختلف هذه النسبة كما ذكرنا بين بلد وآخر وتختلف في البلد الواحد بين الريف والمدينة، بين قرية وقرية، وتختلف تبعاً للنظام المتبع في الترفيع والرسوب، وتختلف تبعاً للبيئات التي يأتي منها الطلاب إذ تقل في البيئات المتعلمة وتكثر في الجاهلة). هكذا نجد في العراق مثلاً – حسب إحصائيات عام 1964 – أن 65? ممن يدخلون التعليم الابتدائي ينهون الصف السادس الابتدائي (وأن 29? منهم يصلون إلى الصف الثالث الثانوي وأن 19? منهم يصل إلى الصف الخامس الثانوي و12? يحصلون على شهادة التعليم الثانوي).

من هنا نجد أن تكلفة الطالب في التعليم الابتدائي تكاد تتضاعف بسبب ارتفاع نسبة الإهدار هذه. وسنرى أهمية هذه النقطة عند الحديث عن مكافحة الأمية وتربية الكبار وستتبدى لنا إذ ذاك بشكل أوضح صلة التكامل والترابط بين جوانب التعليم المختلفة ولاسيما بين تعليم الكبار وتعليم الصغار

 المراجع :

[1]  صالح أحمد عبابنة، التخطيط التربوي المعاصر، دار المسيرة-عمان، ط 2015 ص 253.

[2]  محمد بن يوسف النمران العطيات، إدارة التغيير والتحديات العصرية للمدير، دار حامد، الطبعة الأولى، عمان، الأردن، 2006، ص 138.

[3]  طاهر محسن منصور الغالبي، وائل محمد صبحي إدريس، الإدارة الاستراتيجية، دار وائل، الطبعة الأولى، الأردن، 2007 ص: 221

[4] زكريا مطلك الدوري، الإدارة الإستراتيجية، (دار اليازوري، عمان، الأردن، 2005 ) ص: 122

[5]  د. لخضر لكحل، د. كمال فرحاوي، أساسيات التخطيط التربوي النظرية والتطبيق، المعهد الوطني لتكوين مستخدمي التربية وتحسين مستواهم- الجزائر، 2009، ص 28.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error

يمكنك متابعتنا ووضع لايك .. ليصلك كل جديد