حالة دول العالم وكورونا

أغلقت معظم الحكومات في العالم المؤسسات التعليمية مؤقتاً، سعياً منها إلى الحدّ من تفشي جائحة كوفيد-19.

وقد أثر هذا الإغلاق في جميع أنحاء البلد فيما يقارب 60٪  من طلاب العالم. وقامت بلدان أخرى بإغلاق المدارس في بعض المناطق فيها، مما أثر في تعليم ملايين الدارسين الإضافيين.

وتعمل اليونسكو على تقديم الدعم إلى البلدان من أجل التخفيف من التأثير الفوري لإغلاق المدارس، ولا سيما التأثير الذي تتعرض له أشد الفئات ضعفاً وحرماناً، وتسعى إلى تيسير استمرارية التعليم للجميع عن طريق التعلّم عن بعد.

الصين تقود قاطرة التعليم الالكتروني: كمثال

تفيد الارقام بان الاستثمار العالمي قد زاد في مجال التعليم الرقمي بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية، حيث ارتفع من 1.8 مليار دولار إلى 8.2 مليار دولار أمريكي بين عامي 2014 و2018. وتشير الدراسات بأن تركيز هذا الاستثمار في عام 2018 مثلا قد انصب على حلول التعليم الافتراضي بشكل رئيسي، ثم الصناعات والحلول المرتبطة به في مجال الروبوتات ، ثم الذكاء الاصطناعي. وفقا للخبراء فان ازمة الفيروس تجعل من حلول التعليم الرقمي والافتراضي اولوية استثمارية في السنوات المقبلة. فقد لوحظ ان هناك تحولا جغرافيا في حلول التعليم الرقمي على المستوى الدولي. حيث ارتفع الاستثمار الصيني من 600 مليون دولار في عام 2014، إلى 5.2 مليار دولار في عام 2018، بحيث يتركز الان أكثر من 50٪ من إجمالي رأس المال الاستثماري العالمي في مجال التعليم الرقمي في الصين. وتحذو الولايات المتحدة حذو الصين في ذلك، حيث بلغت حصتها (حوالي 20٪ من الاستثمار العالمي في 2018). كما استثمرت الهند الكثير، حيث أنفقت700 مليون دولار أمريكي في عام 2018 على تطوير الحلول الرقمية المبتكرة للتعليم، وهو ما يمثل أكثر مما فعل الاتحاد الأوروبي (500 مليون دولار أمريكي). ما حصل بالفعل خلال أزمة COVID-19 هو المزيد من الاسئلة والفرضيات التي تميل الى امكانية استخدام الحلول الرقمية في تطوير التعليم. بل انه يمكن القول بان حاجات التعليم الالكتروني الطارئة فتحت الافاق امام شركات الحلول الرقمية وشهية المبتكرين ورجال الأعمال للتوسع في الاستثمار في هذا الحقل.

كان لهونغ كونغ الدور الريادي في الانتقال الكامل إلى التعليم عبر الإنترنت عندما استبدلت جامعاتها العامة الدروس والتقييمات الشخصية التقليدية الى بدائل رقمية في نوفمبر الماضي ، على خلفية إغلاق الحرم الجامعي بسبب الاحتجاجات المناهضة للحكومة وعنف الشرطة. لكن وبعد اقل من شهرين من اعتراف الصين بانتشار وباء فيروس كورونا ، كشفت عن استعدادات تقنية وتجارب عالية المستوى في التعليم الالكتروني تجري منذ عقد من الزمن .

تمتلك الصين أكبر شركتين للتعليم في العالم (من خلال القيمة السوقية) وهما (مجموعة TAL التعليمية، 17.7 مليار دولار أمريكي، والشرقية الجديدة 11.3 مليار دولار أمريكي. يعطي ذلك مؤشرا مباشرا على الشهية الصينية للاستثمار في التعليم الالكتروني وتطويره. حيث يلتقي مع التوجهات الصينية لاختصار المسافة المعرفية مع العالم الرأسمالي الغربي. وللدلالة على جدية هذا التوجه فان 7 من أفضل 10 شركات تعليمية في العالم هي صينية، وكذلك فان 9 شركات صينية تعليمية من بين 30 شركة عالمية في هذا المجال مدرجة في البورصة الصينية في عام 2019 – بينما لم يكن الا اثنتان فقط في عام 2013. يحمل ذلك معنى هام ، وهو ان الاستثمارات الصينية في التعليم الالكتروني تفوق كل دول العالم. ما يلفت الانتباه ايضا أن الصين هي أكبر سوق للتعلم الرقمي في العالم، فلديها 172 مليون متعلم في المدارس والجامعات عبر الإنترنت (و 142 مليون متعلم متنقل من خلال التطبيقات المستخدمة في الاجهزة النقالة)، مع معدل نمو أعلى من 10٪ في كلتا الفئتين بين عامي 2017 و 2018.

يقابل ذلك اهتمام امريكي في التعليم الالكتروني ولكنه اقل بالمقارنة مع الصين، وقد لوحظ ان الدول الرئيسية الاوروبية لم تول حلول التعليم الرقمي العالي والمتوسط الاهتمام الكافي. فوفقا لبرايتآي فنتشرز، في العام 2018 استثمرت فرنسا (147 مليون دولار أمريكي)، المملكة المتحدة (142 مليون دولار)، النرويج (46 مليون)، ألمانيا (42 مليون) وإسبانيا (11.4 مليون). وحتى الان لم يصدر اي تقييمات او احصائيات خاصة بالتوجه نحو التعليم الالكتروني خلال الجائحة، مع تقديرات عامة تشير بان الطلب على الحلول الرقمية الخاصة بالتعليم قد ازداد بشكل حاد.

ما هو الحل لمستقبل واعد ؟

فتح انتشار التعليم عن بعد أثناء الازمة الوبائية ، حوارا عالميا واسئلة صعبة حول عدد من القضايا ، تبدا من فسلفة التعليم الجامعي والمدرسي ودور الحرم المدرسي والجامعي في تشكيل شخصية الطلبة ، وهناك اراء لشخصيات اكاديمية وازنة انتقدت التسرع في اقتراح الانتقال للتعليم الالكتروني لاي سبب من الأسباب . فقد شبه جين جاتوود ، نائب وكيل الجامعة لشؤون المشاركة العالمية في جامعة روتشستر بولاية نيويورك ، الفرق بين التعلم في الحرم الجامعي والتعليم عبر الإنترنت بالفرق بين زيارة مكان جديد ومجرد “مشاهدة مقطع فيديو” منه. وقال يانغ هاي وين، نائب رئيس جامعة ساوثرن ميديكال في قوانغتشو ، الصين ، إن التعليم عبر الإنترنت “سيخلق المزيد من الخريجين غير الاصحاء والمزيد من الإحباط لفكرة التواصل الاجتماعي ”

المسالة الأخرى التي تطرح في سياق الجدل الدائر تقول بالجانب الثقافي والنفسي للمدرسين فهم الأبطأ بين كل الشرائح المهنية الأخرى قبولا للتغيير، فالانتقال الى العالم الرقمي يشعرهم بالتهديد والطلب منهم التخلي عن مهارات مارسوها طيلة عقود من الزمن، والموضوع لا يقتصر على رفع المواد التعليمية على الشبكة العنكبوتية ، وانما تغييرا في نمط التفكير وتعلم مهارات تقنية وبرمجيات جديدة ، كما يحتاج الواقع الجديد إلى إجراء تقييمات الطلاب واحدًا تلو الآخر ، بدلاً من القيام به كنشاط جماعي. والحديث يجري عن مرحلة انتقالية صعبة ومؤلمة، لان المسالة ليست فردية وانما جماعة بشرية واسعة تمارس هذا النوع من التعليم منذ مئات السنين، وإعادة تأهيل وتدريب المدرسين يحتاج الى جهد ووقت واستثمار مالي. بالرغم من ذلك، فيبدو أنه ليس للبشرية من خيار غير التوسع في استخدام ما قدمته الثورة الرقمية من فتح لافاق التعليم الى مديات واسعة ، وقد شكل الاختبار تحت ضغط الازمة الفرصة للتطوير ، فقد برزت مشاكل فنية في تطبيقات المنصات التعليمية المقترحة مع دخول الملايين من السكان المحجوزين في منازلهم الى الشبكة، حيث واجه التطبيق الأشهر Zoom مشاكل جدية للمستخدمين خاصة في البلدان التي تفتقر الى الانترنيت السريع ، كما واجهت العديد من المنصات الصينية الرئيسية عبر الإنترنت ، بما في ذلك منصات شركة التكنولوجيا المحلية الضخمة “تينسنت “، تعطلًا بعد تلقي قفزات بعشرة أضعاف في حركة التصفح والاستخدام.

ومع ذلك، لا يزال التحول الرقمي في التعليم محدودا في المدى الذي قد يصل اليه . حتى مع النجاحات التي حققتها بعض الجامعات على صعيد التدريس عبر الإنترنت، لا تبدو في الأفق بدائل افتراضية جيدة للرحلات الميدانية أو التبادل الأكاديمي – ناهيك عن عوامل الجذب الاجتماعية والثقافية والتجربة الشخصية لحياة الحرم الجامعي التي لا يمكن تحويلها الى عالم افتراضي.

الاثار العالميه للوباء على التعليم
تأثيرات الوباء طاولت حوالي 200 دولة، منها أكثر من 140 دولة قررت إغلاق مدارسها وجامعاتها، بما أثر على سائر مستويات التعليم المختلفة، بدءاً من الروضات وحتى ما فوق التعليم الجامعي، أي التعليم العالي. ومثل هذا الوضع لم يشهده تاريخ التعليم في العالم قبلاً. ما اضطر الدول والمؤسسات التعليمية للتكيف مع تداعيات الوباء وحال الإقفال المفروضة… ولا شك في أن الدراسات الحقلية والعملية والأبحاث التي يجريها طلاب وأساتذة المراحل الدراسية المتقدمة، قد تأثرت إلى حد كبير بالوضع، فقد أقفلت معظم المكتبات العامة والمراكز التي يعتمدون عليها في دراساتهم وأبحاثهم الميدانية، واقتصر المتاح منها على المختبرات المعنية بمواجهة الوباء.

والمؤكد تبعاً لذلك أن مقاربة مسألة متشعبة على هذا النحو، وفي ضوء تجارب متعددة من جانب الدول والمؤسسات لجهة التفاعل مع الحال القائمة، تحتاج إلى صفحات كثيرة، إذ لكل تجربة خصائصها ومميزاتها وثغراتها أيضاً، لكن ذلك لا يمنع القول إن تعقيدات التجارب هذه تنبع ليس فقط من قدرات ومقدرات الدول وما تملكه من موارد بشرية ومادية، بل من تشعب وتنوع التعليم، وإن كان البعض يقسمه إلى قسمين دراسيين أحدهما هو العلوم الإنسانية وما يتفرع منها كالآداب والتاريخ واللغات و… والعلوم البحتة بما هي الرياضيات والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا… هذا عدا العلوم المهنية والتقنية التي تتوزع بين المصانع والمشاغل والمطاعم … وطاولات الدراسة النظرية للتطبيقات العملية في ميادين العمل. اختصاراً يمكن القول إن عملية الحجر المنزلي المفروضة، والتغيب عن الدراسة ستكون لهما مضاعفاتهما البعيدة على كل أركان العملية التعليمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error

يمكنك متابعتنا ووضع لايك .. ليصلك كل جديد